عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
30
الدر النظيم في خواص القرآن العظيم
على أن اللّه تعالى ليس بحال في العرش لأن القائم أقرب إلى العرش من الساجد الثاني الاقتراب إليه بمحو الصفات المذمومة والتخلق بالصفات الممدوحة لأنه كلما فارقته صفات البشرية وتخلقت بالأخلاق النبوية واتصفت بالنعوت الملكية قربت من الحق . فإن من صفات الحق الحلم والعلم والصفح والعفو وستر الزلات وإفاضة الخيرات على المقبل والمدبر والمؤمن والكافر والولي والعدو فإذا كنت كذلك قربت من اللّه وللّه المثل الأعلى والقرب . والشبه الثالث قوة المعرفة بوجود الحق سبحانه وعظمته وجلاله وعلوه وكبريائه وأنه القاهر الذي لا يقهر والغالب الذي لا يغلب وأنه الذي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ثم علم ما يجوز ويجب ويستحيل في حقه وهو أصل المعارف وأعلى القرب فتلك غاية القرب كما قيل : ونلت المنى لما حللت بقربه * ولم يبق لي شيء أمني به نفسي وهذا هو القرب بباطن أهل العرفان فكيف وقد قال خير الأنبياء وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وأما القرب بالذات والتداني بالجسمان والصفات فقرب الربوبية متقدس عنه وإنما أطلق لفظ القرب مؤنسا لقلوب الأحباب والخدام كما قيل في قول النبي عليه الصلاة والسلام لا تفضلوا بي على يونس بن متى معناه لا تظنوا أني لما عرج بي إلى مكان تخلف عني فيه جبريل فقلت إلى أين فقال يا محمد وما منا إلا له مقام معلوم ثم احتملني حتى جاوز بي الحجب ووصل إلى العرش فلا تظنوا أني في هذا الحال أقرب إلى اللّه من يونس بن متى لما التقمه الحوت فذهب به سفلا سفلا بل العالي والسافل بالنسبة إلى جلال الحق سبحانه سواء فسبحان من ليس كمثله شيء وقال أبو الحسن الشاذلي البعد هو البعد عن التوفيق ثم البعد عن التحقيق فكم من عبد خرج يلتمس مناجاة أو طاعة فلحقته سوابق الخذلان وكم من عبد خرج يلتمس معصية فأدركته سوابق التوفيق فهبط في طاعة هذا إبليس اللعين عبد اللّه تعالى آلافا من السنين ثم لحقه رق شقاوته فحل ما حل جمع المشايخ أن عناية اللّه تعالى بالعبد قيل الماء والطين ومن تحقق قرب الحق سبحانه وتعالى أورثه دوام مراقبته إياه . فصل وأما الإجابة وهي مقصود الآية فإنما ينتظم الكلام فيها بذكر سؤال وجواب فإن قال قائل قال اللّه تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ثم يدعو الداعي فلا يجاب دعاؤه والإجابة في اللغة إعطاء ما سئل يقال أجابت السماء بالمطر وأجابت الأرض بالنبات وقد تولى الحق جواب السائلين بغير واسطة فقال تعالى : فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ وهذا لا يقتضي واسطة عطفا عليهم وتشريفا لإقرارهم وتخصيصا لهم ألا